رفيق العجم

127

موسوعة مصطلحات الإمام الغزالي

ذلك لبعض النفوس الذكيّة في المنام حتّى تشاهد من مجاري الأحوال في المستقبل إمّا صريحا بعينه أو مدرّجا تحت مثال يناسبه مناسبة ما فيفتقر فيه إلى التعبير ، إلّا أن هذا النبي هو المستعدّ لذلك في اليقظة فلذلك يدرك النبي الكلّيات العقليّة عند شروق ذلك النور وصفا القوّة النبوية ، كما ينطبع مثال المحسوسات في القوّة الباصرة من العين عند شروق نور الشمس على سطوح الأجسام الصقيلة . وزعموا أن جبريل عبارة عن العقل الفائض عليه ورمز إليه لا أنّه شخص متجسّم متركّب عن جسم لطيف أو كثيف يناسب المكان حتى ينتقل من سفل إلى علو . وأمّا القرآن فهو تعبير محمّد عن المعارف التي فاضت عليه من العقل الذي هو المراد باسم جبريل ويسمّى كلام اللّه تعالى مجازا فإنه مركّب من جهته ، وإنّما الفائض عليه من اللّه بواسطة جبريل بسيط لا تركيب فيه وهو باطن لا ظهور له . وكلام النبيّ وعبارته عنه ظاهر لا بطون له . وزعموا أن هذه القوّة القدسية الفائضة على النبيّ لا تستكمل في أوّل حلولها كما لا تستكمل النطفة الحالّة في الرحم إلّا بعد سبعة أشهر ، فكذلك هذه القوّة كمالها في أن تنتقل من الرسول الناطق إلى الأساس الصامت ، وهكذا تنتقل إلى أشخاص بعضهم بعد بعض فتكمل في السّابع . ( فض ، 9 ، 9 ) - أما " الباطنية " فإنما لقّبوا بها لدعواهم أنّ لظواهر القرآن والأخبار بواطن تجرى في الظواهر مجرى اللبّ من القشر ، وأنها بصورها توهم عند الجهّال الأغبياء صورا جليّة ، وهي عند العقلاء والأذكياء رموز وإشارات إلى حقائق معيّنة ؛ وأن من تقاعد عقله عن الغوص على الخفايا والأسرار ، والبواطن والأغوار ، وقنع بظواهرها مسارعا إلى الاغترار كان تحت الأواصر والأغلال معنّى بالأوزار والأثقال . وأرادوا ب " الأغلال " التكليفات الشرعية . فإن من ارتقى إلى علم الباطن انحطّ عنه التكليف واستراح من أعبائه ، وهم المرادون بقوله تعالى : وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ ( الأعراف : 157 ) ؛ وربما موّهوا بالاستشهاد عليه بقولهم إنّ الجهّال المنكرين للباطن هم الذين أريدوا بقوله تعالى : فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ ( الحديد : 13 ) . وغرضهم الأقصى إبطال الشرائع ، فإنهم إذا انتزعوا عن العقائد موجب الظواهر قدروا على الحكم بدعوى الباطن على حسب ما يوجب الانسلاخ عن قواعد الدين ، إذ سقطت الثقة بموجب الألفاظ الصريحة فلا يبقى للشرع عصام يرجع إليه ويعوّل عليه . ( مظ ، 11 ، 8 ) - إذا نسبت الباطنية أنفسها إلى أن نصب الإمام عندهم من اللّه تعالى ، وعند خصومهم من العباد ، ثم لم يقدروا على بيان وجه نسبة ذلك إلى اللّه تعالى إلّا بدعوى الاختراع على رسوله في النص على علي ، ودعوى بقاء ذلك في ذرّيته بقاء كل خلف لكل واحد ، ودعوى تنصيصه